• الأربعاء 21 أغسطس 2019
  • بتوقيت مصر11:30 م
بحث متقدم

مشروع عمر الفكري (3).. عدل عمر أم عقله؟

مقالات

حاولت كثيراً فهم السر  الكامن وراء شهرة عدل عمر بن الخطاب ؟ وليس "حكمته"؟

دوما ما يكون الاختيار محسوماً ،إذا كان ثمة مقارنة بين ما هو صحيح وما هو سهل، فذلك الأخير الميسور  درب مطروق للغالبية من البشر، ولا سيما مجتمعاتنا العربية، أملاً  في الفرار من قسوة الحياة ،أو يأسا من تغير واقع مؤلم؛ فتتقهقر انسحابا إلى أحلامها ، متعلقة بحبال آمالها الواهنة ،في استسلام تام ، وتواكل متناهي؛  انتظاراً للمنقذ العادل كـ عمر، يعيد مجدا، يحرر قدسا، تسطع على يده شمس الحرية ، يبدد ظلمة العبودية. فهؤلاء أهل السنة حالمين بخروج المهدي ، الذي طالما انتظروه ، وكذا الشيعة في الوهم ذاته  اشتياقا  لظهور ذلك الإمام الغائب ،الذي طالما تمنوه. فهو في مخيلة هؤلاء وأولئك يملك عصا سحرية، تبدل الأرض غير الأرض والسماء غير السماء.

أما ذاك الصحيح فهو  العقل/الحكمة التي هي ملمح من ملامح المشروع الذي بين أيدينا ، فقالوا عن الحكمة :هي وضع الشيء موضعه ، وقالوا أيضا: أنها فعل ما ينبغي كما ينبغي في الوقت الذي ينبغي...

ليس أدل على ذلك مما فعله عمر ،يوم بيعة أبي بكر الخليفة الأول، إذ يمكننا أن نقسمه الى مشهدين:

أولهما: عندما اجتمع الأنصار في سقيفة بنى ساعدة، ملتفين حول زعيم الخزرج سعد بن عباده رضي الله عنه؛ ليبايعوه، فشعر المهاجرون بخطر داهم يمكن أن يشتت جهودهم ،ويمزق وحدة دولتهم، وكان بإمكان المهاجرين، حشد أنفسهم مع مؤيديهم في اجتماع أكبر، وهنا تجلت حنكة عمر السياسية وحكمته؛ أنه قال: لأبي بكر :انطلق بنا إلى إخواننا من الانصار.

كأنه أرد مواجهة الأمر بالعقل والتدبير و إبرام الحل المناسب بناء على المعطيات النابته من أرض الواقع أمامه.

أما المشهد الثاني:

في السقيفة عندما كثر اللغط، وارتفعت الأصوات وبات الإختلاف أقرب منه بكثير  إلى اتفاق،  فكان كل ما يؤرق عمر هو أن  يخمد بوادر فتنة اطلت برأسها، فحسم الأمر بمباغتة الجميع وعرض مبايعة أبي بكر ، وذكر العقاد في كتاب عبقرية الصديق  رواية ضافية تأخذ الألباب:

قال أبو بكر لعمر: أبسط يدك نبايع لك .

قال عمر: أنت أفضل منى.

 قال أبو بكر: أنت أقوى منى

 قال عمر: إن قوتى لك مع فضلك ،لا ينبغى لأحد بعد رسول الله ،أن يكون فوقك يا أبا بكر ،أنت صاحب الغار مع رسول الله  وثاني أثنين، وأمرك رسول الله حين اشتكى فصليت بالناس، فأنت أحق الناس بهذا الأمر، ووثب عمر فأخذ بيد أبى بكر فبايعه و كذا فعل بن الجراح وتوالت بيعة الانصار  ثم كانت  البيعة العامة. وتُركت شجرة الخلاف لجفاف فإن لم تذبل لساعتها فهي وشيكة ذبول.

كذلك اجتهاده في إسقاط سهم المؤلفة قلوبهم ،الذى أوجبته ظروف الاسلام الأولي، فرأى في أيام حكمه أن الإسلام في قوة تتنامى  وانتشار متزايد ،و قد تغيرت الحكمة وانتفت العلة ولا حاجة لإستمالتهم أو تأليف قلوبهم.

ومن غريب مواقفه مع الحطيئة الشاعر الهجاء، الذي قال عنه الأصمعي(740-828)في كتاب فوات الوفيات: دنئ النفس ،كثير الشر ، قليل الخير ،قبيح المنظر ، رث الهيئة ،مغموز النسب، وفاسد الدين...

 أنه هجا الزبرقان بن بدر بقوله:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها/ وأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

فشكاه الزبرقان الى عمر... فحبسه في بئر وأبقى عليه شيئاً، فأخرجه وقال :إياك وهجاء الناس.

قال: إذن تموت عيالي جوعا هذا مكسبي ومنه معاشي.

 قال عمر :لولا أن تكون سنة لقطعت لسانك.

يرى صاحب تلك السطور ، أن تحرز عمر في الفعل، لأنه يعلم أن  الحكام من بعده ليسوا كـعمر ، وكذا كل متكلم هجاء  ليس في صفاقة الحطيئة، أو خشية أن يُتخذ  من فعله ذريعة لزجر كل مخالفٍ لسلطان.

 فخلص إلى إطلاق سراحه، وعرض عليه أن يكف لسانه عن هجاء الناس مقابل ثلاثة آلاف درهم.

 ولعلك لاحظت أنه حينما لم يجدِ  معه الضرب والحبس نفعاً، فلم يزيد في ضربه ويطيل حبسه، بل طفق يفكر في طريقة بها يبطل حجته؛ يؤمن له  دخلاً مالياً يكفيه ،ولا أرى هنا إلا أنه اشترى السلم الاجتماعي بمبلغ من الدراهم.

فما عسانا إذ حاولنا أن نجد ثمة إجابة عن سؤالنا المطروح عدله؟ أم حكمته؟

العدل قد يحققه فرد واحد بقرار فوقي، ولكنه يبقى مرهوناً ببقاء متخذ هذا القرار على دست الحكم، ولذا يُقال: " مات العدل في بلاد المسلمين بموت عمر " المقصود هنا عمر بن عبد العزيز

 أما الإدارة الحكيمة حاجة ملحة، وضرورة حياتيه لتلك المجتمعات التي تريد نهوضا أو نماء ، راعية وراعي بينهما حوار  متعادل، لا رجحان فيه لحاكم على محكوم، أطرافه يلتمسون الحق وينقبون عن الصواب،  يعلمون علم اليقين أنهم يتقاسمون الأمل، ويتشاركون المصير.

انظر في السقيفة تجاوز أصحاب البلد الأصليين وبايع أحد المهاجريين؛ فكانت  المصلحة.

 غض الطرف عن نص قرآني( سهم المؤلفة قلوبهم) لتغير الحكمة وانتفاء العلة، فكانت المصلحة.

ثم المال الذي وهبه للحطيئة الشاعر ليس في مصرف شرعي متعارف عليه ولكنه حيث أوجبت الحكمة وأقر فعله الناس، فكانت المحصلة. كما تقول الحكمة" أينما تكون المصلحة فثمة شرع الله".

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • فجر

    04:01 ص
  • فجر

    04:00

  • شروق

    05:29

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:40

  • مغرب

    18:37

  • عشاء

    20:07

من الى